محمد عزة دروزة
304
التفسير الحديث
وفي الآية توكيد لما احتوته آيات في سور أخرى سبق تفسيرها من اعتراف المشركين في قرارة نفوسهم باللَّه وبأنه هو وحده كاشف الضرّ والسوء ومن عادتهم في اللجوء إليه وحده حينما يحدق بهم خطر أو يلم بهم ضرر . وفي ذلك توكيد حاسم آخر بأن اللَّه لا يقبل من عباده إلَّا أن يكون اتجاههم إليه وحده في كل ظرف وبأن غير ذلك هو شرك وكفر . وفي الآية تلقين مستمر المدى في صدد من لا يذكر اللَّه إلَّا في وقت الشدة وينساه وينحرف عن جادة الحق والتقوى في وقت الرخاء وما في ذلك من قبح وبشاعة وإثم عند اللَّه . أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وقائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّه قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ ‹ 9 › . « 1 » قانت : خاضع أو خاشع أو طائع . في الآية تساؤل عما إذا لم يكن الأفضل هو الخاضع للَّه وحده العابد له ، آناء الليل وأطراف النهار ، والذاكر له وقت الشدة والرخاء معا ، يحسب حساب الآخرة وأهوالها ، ويرجو من ربّه أن يشمله برحمته . وأمر رباني للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بالتساؤل ثانية عما إذا كان يصح أن يسوّى بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون أو أن يكون الفريقان في مقام واحد . وتقرير بأن أرباب العقول الراجحة السليمة هم فقط الذين يتذكرون ويدركون حقائق الأمور . ولقد روى البغوي عن عطاء أن الآية نزلت في أبي بكر ، وعن الضحاك أنها نزلت في أبي بكر وعمر ، وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان ، وعن الكلبي أنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان رضي اللَّه عنهم جميعا ( 1 ) . وليس ذلك واردا
--> ( 1 ) انظر أيضا تفسير الزمخشري والخازن حيث رويا بعض هذه الأسماء .